الشيخ محمد النهاوندي
348
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
تحرق من قرب من السماء وَأَنَّا كُنَّا قبل هذا اليوم نصعد إلى السماء و نَقْعُدُ مِنْها بعد صعودنا إليهما مَقاعِدَ خالية من الملائكة الحفظة لِلسَّمْعِ واستراق الأخبار من الملائكة فَمَنْ يَسْتَمِعِ الأخبار منّا الْآنَ وفي هذا الزمان في مقعد من المقاعد ومرصد من المراصد يَجِدْ لَهُ ويصيب لنفسه شِهاباً وشعلة نار تحرقه وملكا يكون له رَصَداً وقاعدا في المكمن ليرجم بالشهاب . وقيل : يعني شهابا راصدا له ، فالرصد بمعنى الراصد ، وتوصيف الشهاب به من باب التنزيل والمشابهة « 1 » . عن عائشة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « أنّ الملائكة تنزل في السّحاب ، فتذكر الأمر الذي قضي في السماء ، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه ، فتوحيه « 2 » إلى الكهّان ، فيكذّبون معه مائة كذبة من عند أنفسهم » « 3 » . وعن الصادق عليه السّلام - في حديث - قال : « وأمّا أخبار السماء فانّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك ، وهي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم ، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء [ فيلبس على أهل الأرض ما جاءهم عن اللّه ، لاثبات الحجة ، ونفي الشبهة . وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء ] ممّا يحدث من اللّه في خلقه ، فيختطفها ثمّ يهبط بها إلى الأرض ، فيقذفها إلى الكاهن ، فإذا قد زاد كلمات من عنده ، فيخلط الحقّ بالباطل ، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر به فهو ما أبداه إليه شيطانه ممّا سمعه ، وما أخطأه فيه فهو من باطل ما زاد فيه ، فمذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة » « 4 » . وعن ابن عباس قال : كان الجنّ يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحي ، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا ، أما الكلمة فانّها تكون حقّه ، وأما الزيادات فتكون باطلة . فلمّا بعث النبي صلّى اللّه عليه وآله منعوا مقاعدهم ، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك . فقال إبليس : ما هذا إلّا لأمر حدث في الأرض ، فبعث جنوده فوجدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قائما يصلّي « 5 » الخبر . وعن أبي بن كعب : أنّه لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتّى بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فرمى بها ، [ فرأت ] قريش أمرا ما رأوه قبل ذلك « 6 » . أقول : لا يخفى أنّ الآيات الدالة على أنّ النجوم جعلت رجوما للشياطين ، وإن كانت كثيرة ، إلّا أنه
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 157 . ( 2 ) . في النسخة : فيوقيه . ( 3 ) . تفسير روح البيان 10 : 193 . ( 4 ) . الاحتجاج : 339 ، تفسير الصافي 5 : 235 . ( 5 و 6 ) . تفسير الرازي 30 : 158 .